هكذا تُستنزف إسرائيل في طوق النار

بقلم/ بهيج منصور(*)

ترجمة: د. أحمد شمس الدين

عندما تتضافر جهود جميع الجبهات، لا يقتصر الأمر على مُجرد تحدٍ عسكريّ؛ فحتى أقوى جيش لا يستطيع الانتصار في جميع الجبهات في آنٍ واحد. إنَّ حديث رئيس الأركان عن "غطاء قصير" ليس وصفًا؛ بل تحذيرًا.

تُستنزف إسرائيل في معركة غير محدَّدة المعالم؛ فهي لم تعد تخوض حربًا إقليمية؛ بل تُستنزف داخل معركة  لا تُحدد معالمها؛ فدخول الحوثيين في هذه الحرب، حتى وإن كان بشكل محدود في هذه المرحلة، يُغير الخريطة الاستراتيجية فعليًا، وإطلاق الصواريخ باتجاه الجنوب ليس حدثًا تكتيكيًا،؛بل هو فتح جبهة جديدة.

الحوثيون ليسوا مجرد لاعب ثانوي؛ بل ذراع استراتيجي لإيران يُوسِّع من نطاق المعركة إلى البحر الأحمر. إذا انتُهكت حرية الملاحة في مضيق باب المندب، ستتحول المعركة من أزمة أمنية إلى أزمة اقتصادية دولية ذات تأثير مباشر على المضايق والتجارة العالمية بأسرها.

يُمثِّل هذا الأمر تحوُّلًا من استراتيجية الوكلاء إلى استراتيجية الخنق الإقليمي. ثمة سؤال لا بد من طرحه: هل تستخدم إيران آخر أوراقها عبر الحوثيين لعرقلة أي تحرك أمريكي أوسع، وفرض تسوية عبر ضغوط اقتصادية إقليمية ودولية؟

في الوقت نفسه، تتزايد الجهود الرامية للتوصل إلى تسوية بين إيران والولايات المتحدة، رغم الخلافات العميقة. وتسعى الدول الوسيطة - تركيا ومصر والسعودية وباكستان - إلى تنسيق مواقفها؛ بل وتعزيز مسارات التفاوض المباشرة وغير المباشرة.

وفي المقابل، تُسمع تصريحات متناقضة في الولايات المتحدة: بين تصريحات حازمة ورسائل تُشير إلى تحقيق بعض الأهداف من وجهة نظرها. أما من الجانب الإيراني، فهناك رغبة حذرة في الحوار، لكن الخلافات لا تزال عميقة، أما إسرائيل فهي تُرسِل رسائل شديدة اللهجة تهدف إلى عرقلة أي تقدم سريع.


إيران: التطرف - والصدوع الداخلية

لم تضعف إيران، بل ازدادت تطرفًا. فالقيادة المنبثقة عن الحرس الثوري تتبنى خطًا أيديولوجيًا واضحًا: القوة، والاستنزاف، والمرونة. وسيف "ذو الفقار" - سيف علي بن أبي طالب - ليس مجرد رمز ديني؛ بل هو تعبير عن رؤية للعالم: العدالة من خلال القوة.

ومع ذلك، ثمة صدوع كامنة؛ فالوضع الاقتصادي بالغ الصعوبة، ويحذر الرئيس "مسعود بزشكيان" من أن السياسة الحالية لا يمكن الاستمرار بها طويلًا. وهذا خلاف حقيقي بين الطبقة المدنية والحرس الثوري، حتى وإن كان الأخير هو الطرف المهيمن.

وتُسهِمُ عمليات التفجير والاغتيالات المتواصلة، إلى جانب الضغوط الدولية، في تعزيز الجهود المبذولة للتوصل إلى تسوية. ومع ذلك، فالصورة واضحة: إيران لا تهاجم إسرائيل مباشرةً؛ بل تُحاصرها.

لبنان: استنزاف مستمر - لا حسم

أما المعركة في جنوب لبنان فهي ليست ضد حزب الله فحسب؛ بل ضد واقع دولة ضعيفة. فالحكومة اللبنانية عاجزة - أو غير راغبة - في نزع سلاح الحزب، بينما يحتفظ حزب الله بقدرات عسكرية كبيرة رغم الخسائر التي مُني بها.

وتعمل إسرائيل، ولكن على نطاق محدود. ويتطلب تحقيق سيطرة فعّالة جنوب الليطاني قرارًا سياسيًا واسع النطاق وقوات أكبر بكثير.

والنتيجة: حزب الله ليس مجرد منظمة، بل هو عنصر ضمن معادلة دولة مُختلَّة.

والنتيجة واضحة: ليس قرارًا، بل استنزاف.

الجبهات النشطة: نظام واحد

لا تُشنّ الحرب في جبهة واحدة؛ بل في عدة جبهات في آنٍ واحد: غزة - قتال مستمر. لبنان - استنزاف دون حسم. اليمن - الحوثيون يفتحون جبهة جديدة. الضفة الغربية - إرهاب وتوترات وفقدان للسيطرة. إيران - قيادة تُسيطر على جميع الجبهات. هذه ليست سلسلة من الصراعات؛ بل نظام واحد مُنسّق.

جبهات متعددة - الدلالة الحقيقية

عندما تتضافر جهود جميع الجبهات، لا يقتصر التحدي على الجانب العسكري فحسب. فحتى أقوى جيش لا يستطيع الانتصار في جميع الجبهات في آن واحد. إن وصف رئيس الأركان لـ"الغطاء القصير" ليس وصفًا، بل تحذيرًا.

والسؤال ليس عسكريًا فحسب؛ بل يتعلق بالقيادة أيضًا:

ما هي الأولويات؟ وما هي الاستراتيجية؟

_______________________________________

الجبهة الداخلية والشمال: الثمن الحقيقي.

لا تزال الجبهة الداخلية الإسرائيلية تدفع الثمن: إنذارات، وانعدام للحماية، وتآكل مستمر. الشمال يفرغ من سكانه، والسكان يطالبون بالإخلاء، والدولة لا تقدم استجابة مُرضِيَة.

يعيش مئات الآلاف من المواطنين تحت تهديد دائم. لا يقيس الرأي العام الإنجازات العسكرية؛ بل الأمن الشخصي.

الضفة الغربية: فوضى خطيرة

لم يعد الواقع في الضفة الغربية مجرد "احتكاك محلي"؛ بل أصبح مؤشراً على فقدان السيطرة. فالحوادث العنيفة وأعمال الشغب التي يشنها المستوطنون ضد السكان المحليين ليست مجرد فشل أخلاقي؛ بل هي فشل حكومي واضح.

يخلق غياب تطبيق القانون بشكل كافٍ حالة من الفوضى على أرض الواقع، ويقوض الاستقرار الأمني. وإذا لم تُتخذ إجراءات حاسمة، فقد تتدهور العلاقات مع الولايات المتحدة أيضاً. صبر واشنطن ليس بلا حدود.

في الوقت نفسه، حتى داخل النظام السياسي نفسه، هناك إقرار بمحدودية السلطة: "الغطاء غير كافٍ"، ولا توجد قوات كافية للتعامل مع جميع الجبهات.

عندما لا تُطبق الدولة القانون، فإنها تفقد سيادتها عملياً.

تتصرف إيران وفق استراتيجية منظمة ومتعددة القطاعات. نطاق المعركة يتَّسِع، والجبهة الداخلية تتآكل. أما إسرائيل؟ فهي تتحرك، ولكن دون تحديد واضح للأولويات ودون توجه استراتيجي متماسك. لا يطالب الشعب الإسرائيلي بتصريحات؛ بل بالأمن. والسؤال ليس ما الذي تحقق؛ بل إلى متى يمكننا الاستمرار في التعامل مع واقع التآكل.

 

(*) كاتب المقال هو الكاتب/ بهيج منصور وهو شخصية دبلوماسية وسياسية درزية بارزة في إسرائيل، ويُعد من الوجوه المعروفة في السلك الدبلوماسي والعمل العام في إسرائيل، وشغل مناصب رفيعة في وزارة الخارجية الإسرائيلية؛ منها: سفير إسرائيل في أنغولا: حيث خدم هناك لعدة سنوات، وعمل رئيسًا لقسم الأديان في وزارة الخارجية وغيرها من المناصب المهمة ويكتب مقالات رأي في صحيفة يديعوت أحرونوت.

ويُقدِّم هذا المقال قراءة استراتيجية مُعمَّقة للمشهد الأمني الراهن من منظور الكاتب، وهو دبلوماسي سابق وضابط احتياط رفيع المستوى، مما يمنح الطرح ثقلاً. ويتمحور المقال حول مفهوم "طوق النار"، وهو المصطلح الذي يصف الحالة التي تجد إسرائيل نفسها فيها؛ محاصرة بجبهات متعددة تعمل بالتنسيق فيما بينها لاستنزاف قدرات الدولة ومواردها. ويستعير الكاتب وصف رئيس الأركان الإسرائيلي للوضع الحالي بـ "الغطاء القصير"، للإشارة إلى أن الجيش -رغم قوته- لا يمتلك موارد كافية (بشرية وعسكرية) لتغطية جميع الجبهات المشتعلة في آن واحد. فكلما حاول تأمين جبهة، انكشفت جبهة أخرى.

ويرى منصور أن إيران انتقلت من مرحلة "تحريك الوكلاء" إلى مرحلة "الخنق الإقليمي". ويبرز دور الحوثيين هنا كلاعب استراتيجي لا تكتيكي، حيث نقلوا المعركة إلى البحر الأحمر، مما حول الأزمة من أمنية محلية إلى أزمة اقتصادية دولية تهدد الملاحة العالمية. ويؤكد المقال على أن ما يحدث في غزة، لبنان، اليمن، الضفة الغربية، وبالتنسيق من طهران، ليس مجرد حوادث منفصلة، بل هو "نظام واحد منسق" يهدف إلى التآكل المستمر للقوة الإسرائيلية.

ونُشِر المقال بصحيفة يديعوت أحرونوت بتاريخ 1/ أبريل/ 2026م، للاطلاع على المقال بالعبرية:

https://www.ynet.co.il/news/article/sjs00lukjzl

 

تعليقات

المشاركات الشائعة